الاتحاد جمركي والهدف سياسي

إن الاتحاد الجمركي وهو الذي يشكل درجة من درجات التكامل الاقتصادي بين الدول، حيث تضع الدول التي تدخل الاتحاد الجمركي سياسة جمركية موحدة اتجاه الدول الأخرى لتحقق من خلالها اكبر قدر من الكفاءة الاقتصادية في الانتاج والمبادلة وتحقق تنمية اقتصادية سريعة لجميع الشركاء في الاتحاد، إلا أنه لم يخطر ببال أحد ان تكون هناك أهداف خفيه وراء هذا الاتحاد الجمركي القائم بين الفلسطينيين والإسرائيليين، ويتضح ذلك جلياً في حالة سلطة الأمر الواقع وقوانين الاحتلال الاستعلائية والتي تهدف من ورائها بالدرجة الاولي إلي السيطرة والاستحواذ علي الموارد والارض الفلسطينية.

إن تاريخ الاتحاد الجمركي بين الأراضي الفلسطينية المحتلة وإسرائيل يرجع الي العام 1967م، عام احتلال الضفة والقطاع حيث ظل من ذلك التاريخ واقعاً حتي اكتسب الصفة القانونية في برتوكول باريس الاقتصادي عام 1994م، فقد تجاوز الاتحاد الجمركي بين الطرفين قضية ترتيب تجاري وحسب ليلعب دوراً أساسيا بالنسبة لإسرائيل في إحتواء الاقتصاد الفلسطيني والاستحواذ عليه وجعله اقتصاداً تابعاً بالمطلق للاقتصاد الإسرائيلي، وقد ترتب علي ذلك ترسيخ هذا الوضع القائم الذى جعل من فلسطين آنذاك مستودع للعمالة الرخيصة والتي أصبحت اسرائيل تستخدمها لاحقا كورقة للابتزاز وجعل الاقتصاد الإسرائيلي مركزاً للإنتاج والتصدير،  والاهم من ذلك خلق الترتيبات التي تسمح بتدفق البضائع والمنتجات الإسرائيلية الي السوق الفلسطيني دون قيود أو حواجز، ومنذ ذلك الوقت والاقتصاد الفلسطيني من كبوة الي أخرى، مما ساهم بإعتماده المطلق علي الواردات الإسرائيلية وظل يمتاز بالركود الصناعي والتراجع المطرد في القطاعات الإنتاجية كافة ولاسيما الزارعة، مما خلق عجزاً تجارياً متنامي وأحدث الضعف المستمر في القاعدة التصديرية وما إنفك هذا الإتحاد الجمركي غير المتوازن وغير العادل بين اقتصادين غير متناظرين بالمطلق في المساهمة في حالة الوهن والضعف التي تعيشها الصناعة الفلسطينية ويبقيها في حالة متخلفة تعيش علي الواردات.

ان هذه النتائج غير المتوازنة والمنحازة متوقعة قياساً بالتفاوت المخيف بين القدرة الإنتاجية للاقتصاد الفلسطيني والاقتصاد الإسرائيلي، ويتفاقم الضرر الذي يعانيه الاقتصاد الفلسطيني بحكم أن إسرائيل تعد هي سلطة الأمر الواقع وتستطيع فرض الصيغة التي تناسبها في تطبيق بنود الاتحاد الجمركي معززه بذلك طموحها التسلطي علي الإقتصاد الوطني الفلسطيني.

إن اسرائيل تطبق الانتقائية ليست فقط بالسياسة وإنما يمتد ذلك ليشمل الاقتصاد، وهذا يتضح في تطبيقها لبنود الاتحاد الجمركي بأسلوب انتهازي، حيث تسمح للفلسطينيين باستيراد ما نسبته 20 % من حصص الاستيراد الملتزمة بها اسرائيل تجاه شركائها بموجب اتفاقات التجارة الحرة معها، بينما هذا لا ينسحب علي حصص التصدير التي تجيز للإسرائيليين  تصدير منتجاتهم الي أسواق الدولة الشريكة لإسرائيل بموجب إتفاقات التجارة الحرة أيضاً والتي تلزم الدول الشريكة بفتح أسواقها أمام المنتجات الإسرائيلية دون حواجز جمركيه أو برسوم جمركيه مخفضة، وهنا نلاحظ أن المنفعة الكلية لمثل هذه الاتفاقات تنحصر في الاقتصاد الإسرائيلي من خلال استحواذه على حصص التصدير وتخليه عن جزء من حصص الاستيراد الملتزمة بها مع الشركاء لصالح السوق الفلسطيني، وبذلك تستخدم اسرائيل الاقتصاد الفلسطيني كمتنفس لها بحيث تمنع اغراق أسواقها بالمنتجات الرخيصة وتمررها الي السوق الفلسطيني.

وهنا نؤكد لو طبق الاتحاد بطريقة أكثر انسجاماً مع النظرية لكان عاده بالفائدة الكبيرة علي التنمية الاقتصادية في فلسطين، وأن أي دعوات لتغير شروط الاتحاد المجحفة بحق الاقتصاد الفلسطيني يجب ان لا تغفل الحقيقة المرة التي تواجه صناع القرار الفلسطينيين وتضعهم أمام سناريوهات أقل ما توصف بأنها غير واقعية وتحتاج الي حلول سياسية خلاقة حتي تنجح، وهذا كله مرتبط بمستقبل المفاوضات وقضايا الحل النهائي وعلي رأسها قضية الحدود إذ أن نجاح الاتحاد الجمركي متعلق بالدرجة الاولي بترسيم الحدود وضبطها وهذا بكل اسف ما زال مرهون بقطار المفاوضات المتعثر منذ عقود متوقفاً في محطة المجتمع الدولي والرباعية الدولية، ليعاود المسير كلما سنحت الفرصة التي تفرضها المعطيات الإقليمية والدولية علي أطراف الصراع والرعاة الدوليين له، لكننا بكل أسف كفلسطينيين قد ضللنا الطريق في هذا العالم اللاإنساني والبائس الذي لا يحترم الضعفاء ويقدس القوة علي حساب الحق والعدالة.

وإذا ما عدنا للحديث عن الاتحاد الجمركي مع إسرائيل فهو بشكله الحالي يعد كارثياً بكل المقاييس وأن أي حديث عن تغيير هذا الوضع يصطدم بعوائق كثيره أهمها الحدود.

ونبقى هنا أمام سناريوهات عديدة، فإذا ما تطرقنا للسناريو الأول من حيث خلق ترتيب مغلق نسبياً أو اتفاق تجارة حرة لا متناظر من شأنها ان تقيد دخول الواردات الإسرائيلية إلى السوق الفلسطيني وتضع الحواجز " التعريفات الجمركية " علي هذه الواردات لحماية المنتجين الفلسطينيين وتشجيع التنمية الصناعية مؤقتاً، فهذا يتطلب وجود قواعد منشأ تحدد مصدر البضائع بالإضافة الي وجود حدود صلبة بين الشركاء وبعبارة أخرى لا يمكن إنفاذ هذا الرؤية حالياً إلا بإنتهاء الصراع والعمل بحل الدولتين.

أما السناريو الآخر الذي يتحدث عن اتحاد جمركي لدولة ثنائية القومية يراعي الفروق الكبيرة الموجودة بين المناطق الفلسطينية والإسرائيلية، ويعمل هذا الاتحاد علي تعزيز الامكانيات الاقتصادية للأقاليم الفقيرة والمتخلفة اقتصادياً فهو أيضاً غير واقعى في ظل الوضع الراهن من سيطرة المعسكر الصهيوني علي المشهد السياسي الإسرائيلي، الذي يرى بذلك تقويضاً للمصالح الاستراتيجية لإسرائيل.

إلا ان الواقع يجعل من كلا الخيارات غير واقعية بل مستحيلة، مما يشكل عائقاً كبيراً أمام أي محاولة في الوقت الراهن لإقامة الوطن الفلسطيني المستقل.

وهذا كله يوضح بما لا يدع مجال للشك بان الفائدة والهدف الخفي للاتحاد الجمركي التي يجنيها مهندسوه الإسرائيليين هي تأجيل طرح قضية الحدود وابقائها مرحلية أما دخول السوق الفلسطيني فأهميته ثانوية بالنسبة للاقتصاد الإسرائيلي الذي بإمكانه الاستعاضة عن ذلك بإقامة أنظمة أخرى، كإنشاء منطقة تجارة حرة مع الفلسطينيين، فالاتحاد بالنسبة لإسرائيل ضرورة سياسية وليس رغبة اقتصادية بحته وهو يتقاطع مع الحل الوحيد وفق للرؤية الصهيونية وهو حل اللادولة والتي يظل الفلسطيني بموجبه بلا سياده علي أرضه وموارده وإنما يظل الوضع الفلسطيني برمته سياسياً واقتصادياً تابعاً للاحتلال أو كياناً هزيلاً يتنفس برئة الاحتلال ليس أكثر.

                                                              

  أ . علي الترامسي

 باحث في القضايا الاقتصادية والسياسية

  فلسطين غزة

                                                                                     

print
تطوير وحدة الحاسوب و تكنولوجيا المعلومات